انتخابات "البعث" ما لها وما عليها ... كتب مازن جبور

الثلاثاء 7 مايو 2024 - 09:30 بتوقيت غرينتش
انتخابات "البعث" ما لها وما عليها ... كتب مازن جبور

الانتخابات الحزبية التي خاضها البعثيون على مدار الأشهر القليلة الفائتة، مثلت بمراحلها المختلفة نقلة نوعية في العمل الديمقراطي داخل المؤسسة الحزبية، إذ حركت المجتمع السوري، وأعادته إلى دائرة المشاركة السياسية، والتفكير بدور الشعب المحوري فيها، فالانتخابات عملية إجرائية أساسية ومهمة لتطوير الحزب، ومن ثم فإن إعادة بناء الثقة بها، بين الحزب والجماهير، وبين الشعب والسلطة، ينطلق من الممارسة الانتخابية الفعالة.

في هذا السياق، نتج عن التجربة الانتخابية الداخلية الحالية التي يخوضها البعث، حالة ارتياح واسعة عززتها النتائج النهائية، ومن ثم فإن تطويرها وتعميمها على المستويات القاعدية، حيث تقود من حالة اللامبالاة إلى المشاركة الفاعلة، يجب أن يكون هدفاً أساسياً للقيادة الجديدة، بما معناه أن هذه الممارسة يجب أن تنشأ داخل الأطر الحركية نفسها، أي نحن بحاجة إلى المزيد من الانتخابات لتعميق التجربة وقطف ثمارها، ليس على صعيد الحزب فحسب، بل على الصعيد الوطني، لأن عودة الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية في سياق العمل الحزبي، تعني بالضرورة عودة الحياة السياسية والممارسة الديمقراطية الناضجة على صعيد مختلف الاستحقاقات الانتخابية الوطنية، وهو ما ينتظر الشعب السوري تلمسه في الاستحقاق الانتخابي الوطني القادم، وهو انتخابات مجلس الشعب.

تظهر قراءة النتائج الانتخابية الحالية حجم التغيير الكبير الذي حصل في قيادة الحزب سواء على صعيد اللجنة المركزية أم على صعيد القيادة المركزية، إذ وصلت نسبة التغيير في القيادة المركزية إلى مئة بالمئة، إذا ما حيدنا أعضاء القيادة الذين يسمون بحكم منصبهم في سلطات الدولة، وليس بموجب الانتخابات الحزبية، وهم رئيس مجلس الشعب ورئيس مجلس الوزراء ووزير الدفاع.

أما على صعيد اللجنة المركزية، فكذلك يعد التغيير الحاصل كبيراً جداً، إذ إن عدد أعضاء اللجنة المركزية السابقة، كان 80 عضواً بمن فيهم الأمين العام للحزب وأعضاء القيادة المركزية السابقة، أما اليوم فقد أصبح 127 عضواً، وبالمقارنة بين اللجنتين القديمة والجديدة، فإن الذين تكررت أسماؤهم فقط 21 عضواً.

لم يقتصر التغيير الحاصل في القيادة المركزية أو اللجنة المركزية على الأعداد والأسماء فقط، بل مثلت العملية الانتخابية التي تمت وفق إجراءات محددة حالة التغيير الأكبر، إذ خلقت حالة تفاعل كبير مع شكل جديد للحياة السياسية في البلاد، فتابع السوريون عموماً والحزبيون خصوصاً، الانتخابات بشغف واهتمام بالغ، وإذا كان التغيير الكبير في الوجوه والأشخاص قد مثل مؤشراً أولياً ومهماً على مستوى التغيير وحجمه، وهو ما رفع جرعة التفاؤل لدى الجماهير، فإن فعالية عمل اللجنة المركزية وفعالية عمل القيادة المركزية وحيويتها وديناميكيتها وقدرتها على إنتاج الحلول للوضع السوري الراهن سيثبت حالة التفاؤل ويعيد العمل السياسي إلى أوجه، عبر مشاركة فاعلة في أي استحقاق انتخابي حزبي أو وطني قادم.

في سورية ما يزال الفرد المسؤول يلعب دوراً أساسياً في أداء المؤسسة التي يديرها، وبالتالي مؤسسات الدولة تسمو بشخص مديرها، وبالعكس قد يدمرها فاسد أو جاهل إذا ما تبوأ القيادة فيها مهما كانت المؤسسة ناجحة، لذلك فإن الكرة الآن في ملعب هذه القيادات البعثية الجديدة لتصحيح المسار وضبطه، عبر طرح برامج وسياسات حكومية عامة، ومراقبة تنفيذها من أجهزة الدولة المختلفة، وحسب المعلومات عن الانتخابات فقد أعطى الأمين العام للحزب القيادة المركزية واللجنة المركزية مهلة ثلاثة أشهر حتى تبدأ بتقديم مشاريعها وخططها وبرامجها، على أمل أن ينعكس هذا التغيير الذي حصل في القيادات الحزبية العليا، خيراً على الشعب والبلاد، وأن يكون فاتحة لتغييرات قادمة على مستوى السلطة التنفيذية، وبما يؤثر إيجاباً في الوضع المعيشي للمواطن.

يمكن ملاحظة التركيز الشديد على معيار الانتخاب، كمعيار محدد ورئيس خلال العملية الانتخابية برمتها، بدءاً من مراحلها الأولى وحتى انتخاب القيادة المركزية، وهو ما حرص عليه الأمين العام للحزب الرئيس بشار الأسد، إذ إن إلغاء معايير الترشح لعضوية اللجنة المركزية شكل دفعاً كبيراً للجميع للمضي قدماً في هذه العملية الانتخابية، وخاصة الشباب، فوصل عدد المرشحين إلى نسبة الثلثين تقريباً من عدد المؤتمرين، وتم فتح الخيارات أمام الناخبين أيضاً، فلم يحدد سقفاً لعدد المرشحين الذين يحق للناخب انتخابهم، وهذه قرارات مهمة جداً على صعيد العملية الانتخابية، لكونها قضت على التكتلات التي كان من الممكن أن تقود إلى نتائج انتخابية مغايرة، وعزز حالة المنافسة ووضعها في حالتها القصوى، وخصوصاً أنها كانت سبقت بقرار مهم جداً، وهو جعل سورية دائرة انتخابية واحدة.

أما على صعيد المرحلة الأخيرة من العملية الانتخابية، والمتمثلة بانتخاب القيادة المركزية، فحفاظاً على المعيار الأساسي وهو الانتخاب، لم يُسمح لأعضاء اللجنة المركزية الذين قام الأمين العام للحزب بتسميتهم بالترشح للقيادة المركزية، واقتصر حق الترشح لأعضاء اللجنة المركزية الذين وصلوا إلى اللجنة بالانتخاب، أي اقتصر حق الترشح لثمانين عضواً من أعضاء اللجنة المركزية، مع وضع معيار وحيد، وهو أن يكون المرشحون ممن حصلوا على أعلى الأصوات على مستوى فروعهم.

تمثل الآلية السابقة أعلى درجات الديمقراطية والحرص على مفهوم الانتخاب كمحدد أساسي للوصول إلى الموقع القيادي، وهذه حالة عدالة انتخابية يقتدى بها، علماً أن عملية التسمية، كانت بهدف تحقيق العدالة في التمثيل على أساس الشرائح الاجتماعية والفئات العمرية والتكوينات الاجتماعية من تمثيل المثقفين والشباب والمرأة وغيرهم.

وانطلاقاً من التجربة الانتخابية الحالية، فإن هناك بعض المقترحات لتعزيز هذا الإجراء المهم، مثل توسيع دائرة من يحق لهم الترشح في أي عملية انتخابية حزبية قادمة، لتشمل فئات أخرى، مثل: أساتذة الجامعات، أساتذة المدارس، ضباط الجيش العربي السوري، أي ألا يقتصر شرط الترشح على من شغل منصباً حزبياً أو إدارياً أو نقابياً كما حدث في المرحلة الانتخابية الأولى.

وفي السياق ذاته، فقد مثّل قرار إلزام جميع الناجحين في المرحلة الانتخابية الأولى على مستوى الشعب، ترشيح أنفسهم في المرحلة الثانية على مستوى الفروع، خطوة مهمة جداً، إذ أفشلت مخططات بعض المتنفذين سواء من قيادات بعثية على مستوى الأفرع الحزبية أم بعض المتنفذين من أصحاب السلطات التنفيذية أو أصحاب رؤوس الأموال، إذ عمل هؤلاء على الدفع ببعض الأسماء التابعة لهم للنجاح في المرحلة الانتخابية الأولى (الانتخابات على مستوى الشعب الحزبية)، لاستخدام أصواتهم والسيطرة على الانتخابات في المرحلة الانتخابية الثانية (الانتخابات على مستوى الفروع الحزبية)، لكنهم فشلوا مع قرار إلزام الجميع بالترشح، إذ إن الجميع بدأ يسعى للنجاح أو على الأقل تحقيق عدد أصوات مقبول، لعله يستطيع تحقيق النجاح أو على الأقل عدم الظهور بمظهر الهزيل والضعيف، لذلك من المهم التركيز على إجراءات كهذه في العملية الانتخابية، وتوظيفها في أماكن أخرى ومراحل أخرى، بما يسهم في رفع الروح التنافسية والقضاء على أي محاولات تلاعب بالعملية الانتخابية.

كاتب سوري

المصدر: الوطن

 

جميع الحقوق محفوظة لقناة العالم سورية 2019